منتقى الفوائد منتقى الفوائد
recent

آخر الدروس

recent
random
جاري التحميل ...
random

شرح الكلمة العظيمة: كلهم يريد مني شيئا إلا البسطامي فهو يريدني

www.pixabay.com

شرح الكلمة العظيمة:
كلهم يريد مني شيئا إلا البسطامي فهو يريدني.

هذه الحكاية موجودة في كتب التصوف أن البسطامي رآى في المنام أن الحقّ سبحانه يقول: كلهم يريد مني شيئا إلاّ البسطامي فهو يريدني. أو أنه سمع الهاتف بذلك.
أبو يزيد البسطامي صوفي من القرن الثالث الهجري. وهو من كبار الطائفة وعظمائها. وغلب عليه الفناء والشعور به، أي الاستحضار الدائم لوجود الله تعالى وعظمته وصفاته وأفعاله.. وبالمقابل عدم الشعور بغيره سبحانه، فكأن العالم عدم، وكأنه لا وجود لغير الله الموجود. وهذا مقام عال ودرجة راقية.
وقد غلب على البسطامي هذا المعنى بحيث كأن الدنيا غير موجودة عنده. أعني أنه يعرف أنه يعيش بين الناس ووسطهم وعلى الأرض.. لكنه لم يكن مهتما بهم ولا بما يعملون، فكأنه نسيهم.. بل ونسي نفسه أيضا. ويحكى أن بعضهم طرق باب بيت أبي يزيد، فلما سأله ماذا تريد، أجاب الطارق: أريد أبا يزيد. فصاح البسطامي من داخل البيت بأنه أربعين سنة لم يجد أبا يزيد، وأنه فقده.
ربما هذا التقديم عن البسطامي رحمه الله يسمح للقارئ بفهم الكلمة العظيمة وأن الله تعالى قال: كلهم يريد مني شيئا إلا البسطامي فهو يريدني. بمعنى أن جميع الناس، أو أكثر الناس، يريد من الله شيئا: فهذا يدعوه ليرزقه رزقا حسنا، وهذا ليشفيه، وذاك ليأمنه من خوف، وذا ليهب له ذرية.. وهكذا.. أما البسطامي، فكان غرضه هو الله سبحانه، لا عطاياه.
وهذا يتعارض في الظاهر مع استحباب الدعاء والطلب من الله الجليل في كل أمر كبير أو صغير. فإن الله تعالى يقول: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)، (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن: أياما تدعون فله الأسماء الحسنى..). (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني..) وعلمنا ربنا أن نقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.).
وكانت سيرة الأنبياء هي ملازمة الذكر والدعاء، فقد دعا آدم ربه فتاب عليه. ودعا نوح على قومه لما أصروا على الكفر. وطلب إبراهيم. ودعا موسى عليه السلام: (رب إني لما أنزلت إلي من خير لفقير)، وطلب من الله أن يؤمنه ويشد أزره بأخيه، فقال تعالى: (قد استجيبت دعوتكما). ودعا على القوم الفاسقين، فاستجيب له: ( لن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة). ونادى زكريا نداء خفيا، وهو قائم بالمحراب يصلي: (رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين)..
وكان الدعاء بارزا في سيرة رسولنا عليه الصلاة والسلام، فكان يدعو لنفسه ولأهله وأصحابه وأمته.. ودعا وألح ببدر حتى سقط رداؤه، وأبو بكر الصديق يشفق عليه ويقول له: هوّن عليك يا رسول الله، فإن الله منجز لك ما وعد. وكان عليه السلام يسأل الله الدين والدنيا: يستغفره ويسترحمه، ويسأله الجنة ونعيمها، ويستعيذ من جهنم وويلاتها، ويطلب الهداية والتثبيت، والرزق الحلال والأهل الصالحين والذرية الطيبة والصحة والعافية والقوة والأمانة.. وسائر خيرات الدنيا والآخرة... وتحتفظ كتب الأذكار بمئات الأدعية في جميع الأحوال من ليل ونهار..
وجاء في السنة أيضا أن الله تعالى يحب دعاء المؤمن، وأنه يأمر ملائكته أن يبطؤوا في إجابته لأنه سبحانه يحب سماع صوت عبده الداعي، ويأمر ملائكته بإجابة دعوة الكافر لأنه يكره سماعه.
وفي السنة أيضا أن الله يحب العبد الملحاح في الدعاء، وأوصانا نبينا بألا نقطع الدعاء وأنه يُستجاب للعبد ما لم يعجل.. أي يقول: دعوت فلم يُستجب لي.
وفي الأثر: الدعاء مخ العبادة.
ما الحكمة من هذا كله؟ الحكمة هي العبودية، فإن الله لم يخلق الجن والإنس إلا ليعبدوه. فغاية الإنسان وحقيقته هي العبودية لله العظيم. والعبودية تتجلى في أداء الشعائر من صلاة وصيام وحج.. وفي إقامة المعاملات الدنيوية وفق هديه تعالى وأمره. وتتجلى باطنا بالإيمان والتسليم. والدعاء عبادة باطنية عالية الدرجة، رفيعة الرتبة. إذ الدعاء يتضمن الإقرار لله بالوحدانية والسلطان في الأرض والسماء، والاعتراف على النفس بالعجز والخضوع لله. ثم فيه تسليم الأمور للباري سبحانه، وأنه الذي يدبر كل شيء، لذلك فالداعي يلجأ إليه تعالى لقضاء حاجاته على اختلاف أنواعها.. وهذا كله فيه أنواع من التعبد والذكر، ويحتوي على أنوار وألطاف عظيمة. لذلك كان الدعاء عبادة، قبل أن يكون طلب حاجة مخصوصة.
ومما يروى عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رحمه الله أنه قال: مكثتُ أياما لا اختيار لي، فكنت لا أدعو الله. ( أي أنه أراد ألا تكون له مع الله إرادة ولا خيرة، فكان لا يطلب حاجة من الله. وهذا غير الذكر والاستغفار فهما مستمران). قال: فجاءني وارد أو خاطر: ادع الله عبودية. أي عليك أن تدعو الله سبحانه لأنك عبد ولتحقق عبوديتك، حتى لو لم يكن لك غرض في حاجة ما، لكنك تدعو لأنك عبد مأمور. وأنت تلاحظ مثلا أن ملوك الدنيا وكبراءها ينزعجون إذا كان أحد ممن يعرفونه جيدا لا يسألهم شيئا ويرفض عطيتهم.. فيرون كأنه يتكبر عليهم، أو لا يرضى بهم.
ويحكي الأستاذ سعيد النورسي في بعض كتبه أنه ظل سنين يدعو الله تعالى ليشفيه من مرض كان يؤلمه بظهره. وكان يتعجب لأنه لم يستجب له مع طول أمد الطلب. ثم تنبه أخيرا، أو نُبه: دعاؤك هو قبل كل شيء عبادة وعبودية. قال النورسي: فظللت أدعو بحاجتي ولم أقطعه طول حياتي.
والغالب يستجاب بعض الدعاء، قال ابن عطاء الله عن الله سبحانه : متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك.
وإذا الأمر كذلك، فكيف نفهم كلمة : كلهم يريد مني شيئا إلاّ البسطامي فهو يريدني. الجواب أن البسطامي كان غارقا في ذكر الله واستحضار هيبته وجلاله، فهو غافل عن غيره، كأنه لا يرى في الوجود أحدا إلا الله، فأنّى نظر رأى الله، وإذا سمع كأنه يسمع الله.. لذلك كان يقول: عندي أربعين سنة أكلم الله، والناس يظنون أنني أحدثهم. فحالة البسطامي هو أنه لشدة قربه من الله واستحضاره في قلبه وعقله وعلى لسانه.. لم يعد يحس بغيره، فلم تعد له حاجة إلى شيء.. فالله الكبير المتعال هو حاجته من دون العالمين.. فهو لا يسأل الله حاجة من حوائج الدنيا، لأن الدنيا لا تخطر على باله أصلا.. فكيف يطلب ما لا يخطر بنفسه..
فهذا يختلف عن تجنب الدعاء والتحرّج من الطلب، أعني أن تعمّد ذلك لا يجوز لمخالفته الصريحة للنصوص القطعية ولسيرة الرسول الكريم. لكن إن كان بحال لا عن قصد، فلا حرج فيه.
وإن سألت: ماذا أفعل، أعني أيّ الحالين أفضل. كان الجواب: ملازمة الدعاء والإكثار منه عبادة من أجلّ العبادات وأعظمها.. لكن إن اتجهتَ بكليتك إلى الله كما فعل البسطامي.. ونسيت العالم كما نسيه.. بل نسيت نفسك أيضا.. فكن كالبسطامي، فهنيئا لك ثم هنيئا. إن استطعت ذلك.
والله تعالى أعلم.


التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

منتقى الفوائد

2017