منتقى الفوائد منتقى الفوائد
recent

آخر الدروس

recent
random
جاري التحميل ...
random

يحكى أن: هل شممت رائحة النبي - أسعد طه

يحكى أن: هل شممت رائحة النبي - أسعد طه




    في منتصف صيف عام الف وتسعمائه وثلاثه وتسعين ، وفيما كانت الحرب دائرة علي أشدها في البوسنة والهرسك، وصل في يوم خميس إلي العاصمه الكرواتيه شاب عربي ثري يحمل أموالا ضخمه فوضه بشأنها آخرون للصرف علي إغاثة المتضررين من المسلمين. وفي ظهر اليوم التالي توجه إلى المسجد الوحيد في زغرب لتأديه صلاة الجمعة، نزل من الترام ومشى مسافة كبيرة هي الفاصلة بين المحطة وبين المسجد، علي ضفتي الطريق مساحات شاسعة من اللون الأخضر الجميل، تتخلله خيام اللاجئين البوسنيين. نظر الشاب إلى الفتيات المتوزعات هنا وهناك، بشُقْرهن وشورتهن، وقال "من زعم أن هؤلاء وأهلهن مسلمون؟"، صلّى ثم حمل أمواله وأموال المتبرعين وغادر كرواتيا. الشاب رفض الاعتراف بهويتهم، فيما الصرب اعترفوا بها وعلي أساسها كانوا يذبحونهم.

لم يكن في تيرانا كلها إلا إشاراتين للمرور، فلا حاجه للعاصمه الألبانيه لها، الزعيم الأوحد أنور خوجه حرم أي ملكية فردية، وهو حرم عليها الإسلام أيضا، لكنه للحق أبقي على مسجدها الأثري المتهالك في الميدان الرئيسي كشاهد على أن هذا كل ما تبقي من عدوه في هذا البلد. عندما توجهت إليه كان الشيخ صبري كوتشي مفتي البلاد رحمه الله، والخارج من السجن لتوه بعد عشرين عاما من الاعتقال، يصلي فيه الظهر ومعه رجلان، فيما اجتمع الناس، الذين هم مسلمون بالوراثه، يرقبون من الخارج وعبر نوافذ المسجد وبانبهار شديد فِعْلَ هؤلاء من ركوع وسجود، وكأنهم كائنات فضائيه حطت علي الأرض للتو.

لاحقا عرفتُ أن بعض العائلات الألبانيه بدأت تختبر أسقف وأعمده بيتها، بعد أن اكتشف بعضهم أن الأقدمين جمعوا المصاحف والكتب الدينيه وغلفوها جيدا وربطوها إلي الجدران، ثم صبوا عليها الاسمنت ليخفوها عن أعين الشرطة، وليجدها أبناؤهم وأحفادهم لاحقا، قال لي أحدهم أن بعض هذه المحفوظات لم تكن سوي مجلات عربيه لكن الحرف العربي أوحي لهم بأنها مقدسه.

تذكرت إذاعه الحياة التي تأسست في سراييفو وقت الحرب، كانت تذيع صباحا القران الكريم، ثم تليه بأغان عربيه، سمعت يوما عقب القرآن أغنيه يتغزل فيها المغني في الكأس وشرابه، هؤلاء البوسنيين مثل الألبانيين يشتاقون للإسلام، ويحسنون الظن في العرب، ويعتقدون أنهم أهل القرآن.

لقد ظلمت الشيوعيه كل الناس وكل الأديان، لكن حظي المسلمون بالنصيب الاكبر من الاضطهاد، ولو قرأت أو سمعت ماذا فعلت بهم الشيوعية ثم سافرت إلي بلادها بعد سقوطها لتوقعت ألا تجد فردا واحدا ما زال علي الإسلام، لكنهم ظلوا عليه، وإن كان ذلك بصورة علي غير ما يتمناها العرب ويحاسبون عليها الناس.

العجوز التتارية في جنوب أوكرانيا، كانت تحكي لي أنها سُلبت من كل شيء عندما هجّرتها قوات ستالين من بلدها في القرم إلى سيبيريا، الأرض والبيت والمال وكل الممتلكات، لكنها سعيده للغاية أنها احتفظت طوال تلك السنين بمصحفها وإن فقدت كل شيء.

في آسيا الوسطي، ما إن سقطت الشيوعية حتى خرج الدين وكأنه لم يُوجد من قبل، مثل خروج الجني من القمقم، بعد أن كانت المسبحه دليل اتهام يودي بصاحبها إلى غياهب السجن لسنوات، هاهم الشباب الآن يؤمون المساجد. دٌبر لي لقاء مع أحدهم ، قال لي كنت طفلا عندما كان والداي يلزماني بتعلم القران، كان معلمنا يأتي مساء متاخرا متسحبا، ثم ننزل به إلى قبو تحت الأرض، نسميه نحن الحجرات، نشعل شمعه أو مصباحا صغيرا حتي لا يرى الجيران ضوءا في المساء فيتساءلون لماذا نحن مستيقظون، ونظل في هذه الأقبية ساعات لا نفعل شيئا سوى حفظ القرآن، ربما الوالدان لا يعرفان من الدين إلا قليلا، لكنهما مثل اخرين حسبوا الامر ببساطة، اذا لم يكن بوسعنا هزيمه الشيوعيه، فلننقل المسؤولية إلى أولادنا وأحفادنا، حددوا المهمة في توريث الأبناء القرآن ، رغم أنهم لا ينطقون العربية.

ربما مثل ذلك الرجل الذي كان يخرج بابنه في سراييفو يغامر وقت الحرب ورصاص القناصة حتي يوصله إلى أحد الكتاتيب، ثم يجلس في حانة قريبة من المسجد يحتسي مشروبا كحوليا محلي الصنع إلى أن ينتهي ابنه من تعلم القرآن، كان يقول "لا أمل فيّ، لكن لا أريد لابني ان يكبر على شاكلتي".

رجل آخر في أوزبكستان، حكي لي كيف أن المعلمين كانوا يتعمدون إعطاءهم في نهار رمضان وهم صغار في المدارس بعض الأطعمة المجانية حتي يكتشفوا من يصوم منهم ومن لا يصوم، والعقوبة تقع علي الطفل وعائلته، بل إنهم كانوا أحيانا يحاولون أن يستنطقوا الأطفال ليفشوا سر عائلتهم إذا ما كانوا علي صومهم. قص لي ان أمه كانت تدربه كيف يصلي بحواجبه إذا ما حان وقت الصلاة وهو في المدرسة، حتي لا يلحظ أحد ذلك، مخافه أن يتعرض هو وعائلته للعقاب سنين طويله وراء الشمس، يقول "كنت اجلس وأنظر الي السبورة ثم أرفع حاجباي وأقول في سري الله اكبر ثم أنزلهما عند الركوع قليلا ثم أرفعهما ثم أنزلهما إلى أسفل كأني ساجد وأنا أتمتم بالصلوات في سري" ، لقد اجتهدت أمه في الأمر ، وكل همها أن تبقي الصلاة قائمة.

حكوا لي في العاصمه الداغستانيه محج قلعه كيف كان بعضهم يحفظ القرآن، يذهبون إلى الجبال في أي ناحيه من ناحيه داغستان ويختبئون في الكهوف، يجلسون فيها ولا يخرجون إلا بعد أن يحفظوا قدرا من آيات الله ، في انقطاع عن العالم وعن عيون الشرطة، أما طعامهم وشرابهم فيتسلل اليهم به ذووهم من حين لآخر ، يعطونهم الزاد ويرحلون هربا.

كم مرة في أول التسعينيات لفّتني الدهشة وأنا ألمس شوق الناس في أي منطقة كانت تحكمها الشيوعيه إلى أشياء بسيطه جدا، مسبحة، أو آية مكتوبة، أو حتى أي حرف عربي، كانوا يكابدون شوقهم للدين، وإن لم يصلوا ولم يصوموا. كنت أفرح بمشهد المآذن التي مازالت باقيه هناك، كنت سعيدا أن هذه العمائر مازالت موجودة وكأنها خرجت من المعركهةمنتصرة، لاحقا تعلمت أن العمائر كانت في قلوب هؤلاء البسطاء حين احتفظوا فيها بدينهم فيما عجزت جوارحهم عن أن تفي بالمفروض من العبادة.


التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

منتقى الفوائد

2017 - 2018