منتقى الفوائد منتقى الفوائد
recent

آخر الدروس

recent
random
جاري التحميل ...
random

الكامل في التاريخ - ابن الأثير

الكامل في التاريخ - ابن الأثير


يقول ابن الأثير متحدثا عن أسباب ودوافع تأليفه لهذا الكتاب ومنهجه فيه:
أما بعد فإني لم أزَلْ محبا لمطالعة كتب التواريخ ومعرفة ما فيها، مؤثرا للاطلاع على الجلي من حوادثها وخافيها، مائلا إلى المعارف والآداب والتجارب المودعة في مطاويها. فلما تأملتها رأيتها متباينة في تحصيل الغرض، يكاد جوهر المعرفة بها يستحيل إلى العرض، فمِن بَيْنِ مُطَوّل قد استقصى الطرق والروايات، ومختصر قد أخل بكثير مما هو آت، ومع ذلك فقد ترك كلهم العظيم من الحادثات والمشهور من الكائنات، وسود كثير منهم الأوراق بصغائر الأمور التي الإعراض عنها أولى، وترْكُ تسطيرها أحرى، كقولهم خلع فلان الذمي صاحب العيار وزاد رطلا في الأسعار، وأكرم فلان وأهين فلان، وقد أرخ كل منهم إلى زمانه وجاء بعده من ذيل عليه وأضاف المتجددات بعد تاريخه إليه.
والشرقي منهم قد أخل بذكر أخبار الغرب، والغربي قد أهمل أحوال الشرق؛ فكان الطالب إذا أراد أن يطالع تاريخا متصلا إلى وقته يحتاج إلى مجلدات كثيرة وكتب متعددة مع ما فيها من الإخلال والإملال.
فلما رأيت الأمر كذلك شرعت في تأليف تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق والغرب وما بينهما، ليكون تذكرة لي أراجعه خوف النسيان، وآتي فيه بالحوادث والكائنات من أول الزمان، متتابعة يتلو بعضها بعضا إلى وقتنا هذا.
ولا أقول إني أتيت على جميع الحوادث المتعلقة بالتاريخ، فإن من هو بالموصل لا بد أن يشذ عنه ما هو بأقصى الشرق والغرب ولكن أقول إنني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد ومن تأمله علم صحة ذلك.
فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعول عند الكافة عليه والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه لم أخل بترجمة واحدة منها وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات عدد كل رواية منها مثل التي قبلها أو أقل منها وربما زاد الشيء اليسير أو نقصه فقصدت أتم الروايات فنقلتها وأضفت إليها من غيرها ما ليس فيها وأودعت كل شيء مكانه فجاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقا واحدا على ما تراه.
فلما فرغت منه وأخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه ووضعت كل شيء منها موضعه إلا ما يتعلق بما جرى بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئا إلا ما فيه زيادة بيان أو اسم إنسان أو ما لا يطعن على أحد منهم في نقله، وإنما اعتمدت عليه من بين المؤرخين إذ هو الإمام المتقن حقا الجامع علما وصحة اعتقاد وصدقا.
على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة والكتب المشهورة ممن يعلم بصدقهم فيما نقلوه وصحة ما دونوه، ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي ولا كمن يجمع الحصبا واللآلي.
ورأيتهم أيضا يذكرون الحادثة الواحدة في سنين ويذكرون منها في كل شهر أشياء فتأتي الحادثة مقطعة لا يحصل منها على غرض ولا تفهم إلا بعد إمعان النظر، فجمعت أنا الحادثة في موضع واحد وذكرت كل شيء منها في أي شهر أو سنة كانت فأتت متناسقة متتابعة قد أخذ بعضها برقاب بعض.
وذكرت في كل سنة لكل حادثة كبيرة مشهورة ترجمة تخصها فأما الحوادث الصغار التي لا يحتمل منها كل شيء ترجمة فإنني أفردت لجميعها ترجمة واحدة في آخر كل سنة فأقول: ذكر عدة حوادث وإذا ذكرت بعض من نبغ وملك قطرا من البلاد ولم تطل أيامه فإني أذكر جميع حاله من أوله إلى آخره عند ابتداء أمره لأن إذا تفرق خبره لم يُعرف للجهل به.
وذكرت في آخر كل سنة من توفي فيها من مشهوري العلماء والأعيان والفضلاء وضبطت الأسماء المشتبهة المؤتلفة في الخط المختلفة في اللفظ الواردة فيه بالحروف ضبطا يزيل الإشكال ويغني عن الإنقاط والأشكال.
فلما جمعت أكثره أعرضت عنه مدة طويلة لحوادث تجددت وقواطع توالت وتعددت ولأن معرفتي بهذا النوع كملت وتمت.
ثم إن نفرا من إخواني وذوي المعارف والفضائل من خلاني ممن أرى محادثتهم نهاية أوطاري وأعدهم من أماثل مجالسي وسماري رغبوا إلي في أن يسمعوه مني ليرووه عني فاعتذرت بالإعراض عنه وعدم الفراغ منه، فإنني لم أعاود مطالعة مسودته ولم أصلح ما أصلح فيها من غلط وسهو ولا أسقطت منها ما يحتاج إلى إسقاط ومحو، وطالت المراجعة مدة وهم للطلب ملازمون وعن الإعراض معرضون وشرعوا في سماعه قبل إتمامه وإصلاحه وإثبات ما تمس الحاجة إليه وحذف ما لا بد من اطراحه والعزم على إتمامه فاتر والعجز ظاهر للاشتغال بما لا بد منه لعدم المعين والمظاهر ولهموم توالت ونوائب تتابعت فأنا ملازم الإهمال والتواني، فلا أقول: إني لأسير إليه سير الشواني.
فبينما الأمر كذلك إذ برز أمر من طاعته فرض واجب واتباع أمره حكم لازب، من أعلاق الفضل بإقباله عليها نافقة وأرواح الجهل بإعراضه عنها نافقة من أحيا المكارم وكانت أمواتا وأعادها خلقا جديدا بعد أن كانت رفاتا من عم رعيته عدله ونواله وشملهم إحسانه وإفضاله، مولانا مالك الملك الرحيم العالم المؤيد المنصور المظفر بدر الدين ركن الإسلام والمسلمين محيي العدل في العالمين خلد الله دولته.
فحينئذ ألقيت عني جلباب المهل وأبطلت رداء الكسل وألقيت الدواة وأصلحت القلم وقلت: هذا أوان الشد فاشتدي زيم وجعلت الفراغ أهم مطلب وإذا أراد الله أمرا هيأ له السبب وشرعت في إتمامه مسابقا، ومن العجب أن السكيت يروم أن يجيء سابقا ونصبت نفسي غرضا للسهام وجعلتها مظنة لأقوال اللوام لأن المآخذ إذا كانت تتطرق إلى التصنيف المهذب والاستدراكات تتعلق بالمجموع المرتب الذي تكررت مطالعته وتنقيحه وأجيد تأليفه وتصحيحه فهي بغيره أولى وبه أحرى على أني مقر بالتقصير فلا أقول إن الغلط سهو جرى به القلم، بل أعترف بأن ما أجهل أكثر مما أعلم.
وقد سميته اسما يناسب معناه وهو: الكامل في التاريخ ولقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية يحتقر التواريخ ويزديها ويعرض عنها ويلغيها ظنا منه أن غاية فائدتها إنما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللب نظره، وأصبح مخشلبا جوهره، ومن رزقه الله طبعا سليما وهداه صراطا مستقيما علم أن فوائدها كثيرة ومنافعها الدنيوية والأخروية جمة غزيرة.


التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

منتقى الفوائد

2017 - 2018