منتقى الفوائد منتقى الفوائد
recent

آخر الدروس

recent
random
جاري التحميل ...
random

الحضارة، دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها - حسين مؤنس

الحضارة، دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها - حسين مؤنس 

سلسلة عالم المعرفة


الفصل 1: الحضارة
الفصل 2: التاريخ والحضارة
الفصل 3: حركة التاريخ والحضارة
الفصل 4: طبقات الحضارة
الفصل الخامس: فكرة التقدم
الفصل السادس: الثقافة والحضارة

مدخل
أحاول [الكاتب] في هذه الصفحات أن يعرف القارئ أن الحضارة لا تتمثل فحسب في عظام المنشآت کالأهرام أو قصور فرساي أو العمائر الشاهقة التي تصعد في الجو، كأنها تنطح السحاب في نيويورك، بل هي تتمثل في صورة أوضح وأصدق في صفار الاكتشافات التي تقوم عليها حياة البشر. فرغيف الخير مثلا أنفع للبشر من الوصول إلى القمر، وبالفعل أتفقت الإنسانية عشرات الألوف من السنين حتى وقت إلى صنع رغيف الخبز أو إناء من الفخار، وانتقلت نتيجة لذلك من حقبة من التاريخ إلى حقبة أخرى جديدة، والعبرة في منجزات البشر بما ينفع أكبر عدد من الناس وييسر لهم أسباب الاستقرار والأمن، لا بما يبهر العيون ويرد الإنسان إلى الشعور بالقلق وانعدام الأمن، لأن الذين ينفقون الملايين ليهبطوا على سطح القمر قصدوا أول ما قصدوا إلى إظهار امتیازهم على غيرهم وسبقهم لبقية الناس في ميدان التقدم، وهذا زهو وغرور بتطويان على شر، قهما في الحقيقة تهديد للأخرين، إذ إن الصاروخ الذي دفع مركبة القمر في الفضاء بقوم على النظرية نفسها التي يقوم عليها الصاروخ الذي يعبر القارات ليخرب المدن ويقضي على ألوف الناس.

فرغيف الخبز وإناء الفخار مقياسان أصدق للتقدم الحق من الوصول إلى القمر والعودة بقطع من حجارته، لأن رغيف الخبز نعمة لا يأتي منها إلا خير، وإناء الفخار اختراع أدخل على حياة الإنسان تيسيرا بعيد المدي، وكلاهما نقطة تحول في تاريخ الإنسان. أما الأهرام أو قصور فرساي أو ناطحات السحاب أو مركبات القمر فماذا تعني؟ فأما الأهرام فتعني أن ألوف البشر ظلوا يعملون عشرات السنين لينشئوا فيرا لإنسان واحد، وقصور فرساي تعني أن جهود ألوف أخرى قد صرفت على عمل منشآت يزهو بها ملوك لم يعرفوا في حياتهم غير الظلم والأنانية واحتقار الناس، وأما نواطح السحاب فقد ثبت بالبرهان أن العيش فيها يصيب النفس بالكآبة وضيق النفس وجفاف الطيع الإنساني، وأما مركبات القمر فأي نفع عادت به على الإنسان ؟
 
لهذا فقد صرفت جانبا كبيرا من الجهد في توضيح معاني الحضارة وكنهها وكيف نقوم، واجتهدت في أن أتبع كيف قامت في جهات شئی من الأرض، وعرضت آراء المؤرخين والفلاسفة في أوليات الحضارات الإنسانية وظروف قيامها وبماذا تمتاز كل منها من الأخريات، ووقفت طويلا عند أدوار النشوء والظروف التي أحاطت بها، وعرضت نظريات المفكرين فيما يعرض للحضارات من نمو وما يصيبها من ركود، وحرصت في كل حين على أن أقف بأراء المفكرين المسلمين في هذه الموضوعات، وخاصة إبن خلدون ونظريته في دورة العمران. واجتهدت في أن أضرب الأمثلة من تاريخنا العربي، لأن القارئ به أعرف، وكان ذلك سبيلا إلى إلقاء أشعة جديدة من الضوء على بعض نواحي تاريخنا الحافل بأخبار الحضارة وما يعرض لها من أحوال. وحرصت في كل حالة على أن أناقش الكثير من الآراء المتداولة بيننا دون نقد أو تمحيص، وذلك حتى يصدق فهم القارئ لما يقرأ من الفصول عن حضارة أمم الإسلام، وقد كثرت هذه الفصول في أيامنا هذه، وجرى الناس في الحديث فيها على وتيرة واحدة جامدة تتشابه في كل كتاب تقرأه، حتى أصبحت صورا ثابتة أو كليشيهات ۰۰۰. تنقل كما هي دون تفكير، مع الحرص على ترصيع الكلام بأسماء نفر من أعلام العرب والمسلمين في بعض ميادين التقدم الحضاري
 
في فصل خاص وقفت طويلا عند مفكري الغرب في العصور الحديثة وخاصة ، فلاسفة عصر الأنوار ، الذين وضعوا مشكلة الإنسان وأحواله وماضيه وحاضره ومستقبله موضع درس عميق، وأطلقوا العنان للفكر في بحث مشاكل البشر وإعادة النظر في كل ما قامت به الإنسانية من تجارب في الماضي، وفتحوا للإنسانية أبوابا واسعة للتفكير والتغيير، ومهدوا بذلك الثورة طويلة بعيدة المدى في الفكر الإنساني والنظم السياسية والاجتماعية بدأت بالثورة الفرنسية، ومازالت متصلة إلى يومنا هذا، أي أنهم بتواليفهم وأرائهم دخلوا بالإنسانية في عصور حضارية جديدة، ومن هنا فإنه لا يمكن فهم حضارتنا اليوم دون الإلمام بهذه الآراء، ومن هنا استطردت إلى الكلام في حضارتنا الراهنة وما ينظر لها من تطور في المستقبل، وفي النهاية تحدثت عن الثقافة ومفهوماتها عند المحدثین، درست کنهها ومحتواها، وصححت إلى حد ما-آراءنا في الثقافة ومحتواها ومبناها، وهنا أحسست أنني وصلت بالكلام عن الحضارة والثقافة إلى حد بحسن الوقوف عنده، بعد أن أثرت هذا الحشد الكبير من الآراء وفتحت أرجو أمام القارئ آفاقا واسعة للتفكير والتدبير.
د. حسين مؤنس



التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

منتقى الفوائد

2017 - 2018