منتقى الفوائد منتقى الفوائد
recent

آخر الدروس

recent
random
جاري التحميل ...
random

دور نظام الوقف الإسلامي في التنمية الاقتصادية المعاصرة

دور نظام الوقف الإسلامي في التنمية الاقتصادية المعاصرة

مقتطف:
الوقف قبل الإسلام
عرف الناس منذ القدم - على اختلاف أديانهم وأجناسهم - أشكالا من المعاملات المالية الطوعية التي لا تخرج في طبيعتها وصورها عن طبيعة الوقف ، وذلك في شكل عقارات تحبس لتكون أماكن للعبادة ، أو لتكون منافعها وقتها على تلك الأماكن ، فكان ذلك معروفا عند المصريين القدماء وعند الرومان والإغريق وغيرهم ) .
فالوقف نظام قديم عرفته نظم وشرائع سابقة علي الإسلام ، وجاء الإسلام فأقر أصله وبين شرائطه ونظم حدوده . فعلى سبيل المثال في تاريخ مصر القديم ما يدل على أن مساحات كبيرة من الأرض كانت ترصد على ما زعموه من الآلهة والمعاهد والمقابر ، وتكون غير قابلة للتصرف من بيع أو هبة أو وصية ، أما غلاتها فتصرف على إصلاحها وإقامة الشعائر الدينية ، والإنفاق على القائمين بخدمتها .
ومن ذلك أن « رمسيس الثاني ، قد منح معبد أبيدوس أملاكا واسعة ، وأجريت الطقوس لنقل ملكية هذه الأعيان إلى المعبد أمام جمع كبير من الرعايا . ثم جاءت مرحلة تالية عرفت حبس الأعيان على أنها ملك للأسرة والأولاد ، كما كانوا يشترطون إدارة هذه الأحباس للابن الأكبر
كذلك حبس ا بنوت - وهو أحد حكام بلاد النوبة في عهد رمسیس الرابع ) - أرضا لها ليشترى بريعها كل سنة عجلا يذبح على روحه . ويوجد بالمتحف المصري بعض اللوحات وأقدمها لوحة رقم (72) متضمنة تقوا تحمل وقف عقار على الكهنة في الأسرة الرابعة .
أما الجرمانيون فعندهم تقام فيه يرصد المال مالكه على أسرة معينة مدة محددة أو إلى انقراضها ، وقد يكون الاستحقاق فيه لجميع أفراد الأسرة ، وقد يكون لبعضها ، أو للذكور ومن بعدهم الإناث ، ولهم طرائف مختلفة في ترتيب طبقات الاستحقاق، والأصل فيه أن لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث رقبته ، وليس للمستحق فيه سوى المنفعة، والخلافة فيه تختلف عنها في الإرث ، فالوارث يتلقى الحق عن أصله هو ، أما المستحق فيتلقى الحق عن المرصد مهما بعدت الدرجة، ومن هذه الخصائص نعرف أنه هو الوقف الأهلي .
وفي اليونان نجد في التاريخ أن امرأة اسمها و أريتي و وقفت حديقتها على مدينة وأوجوستينس ، ؛ لتقام فيها شعائر دينية ، وأن قائدا يونانا اسمه و نسياس ، وقف أرضا له؛ لإقامة الشعائر للإله « أبولون .
وفي القانون الروماني القديم يظهر لنا بجلاء أن الوقف كان معروفا عندهم ، فقد قال جوستینیان :. الأشياء المقدسة والأشياء الدينية والأشياء الحرام لا يمتلكها أحد ، لأن ما كان من حقوق الله لا يمتلكه الإنسان ، ومن دفن ميتا بأرض فقد جعلها بمحض إرادته مكانا دينيا ..
ويقول في موضع آخر: الأشياء المقدسة هي التي جعلت لله بحسب الطقوس والأوضاع الارتسامية التي يقوم بها الكهنة ؛ وذلك كالمعابد وكالتذور والهدايا وغيرها من الأشياء المخصصة بحسب الأصول الإقامة الشعائر الدينية ، وهذه بمقتضی مرسومنا لا يجوز أن تباع ، ولا أن ترهن إلا لافتداء الأسرى .
وفي عهد جمهوريتهم أرتقي نظامهم بعد ظهور الديانة المسيحية فعينت الحكومة للوقف موظفا عموما يسهر على تنفيذ شروط الواقفين .
ويروي بعض المؤرخين أن الروم تزعم أن بلاد مقدونية بأسرها - من إسكندرية إلى الصعيد الأعلى - وقف في القديم على الكنيسة العظمى التي بالقسطنطينية ، او مقدونية و باللسان العبراني : مصر .
وفي الجاهلية كانت للعرب بيوت عبادة وملاحق للمعابد مواضع يخزن فيها ما يقدم إلى المعبد من هدايا ونذور وما يرد إليه من غلات أوقفها. 

الوقف بعد الإسلام
منذ عرف الوقف والمسلمون يعملون على حبس أموالهم على أولادهم وعلى جهات البر؛ حتى صارت أموال الأوقاف إحدى مهام السلطة في الإسلام ، وقد وجد الوقف منذ عصر الصحابة ، ثم تطورت أحكامه ونظمه ومؤسساته في مذاهب الفقه المختلفة ، وهي تطورات تكشف عن أهميته الدينية ، وعن مهمته في النسيج الاجتماعي..
وتاريخ الوقف ليس مثبت الصلة عن الوقف باعتباره نظاما فقهيا ؛ لأن تفحص وقائعه ، وتفهم تطوره ، ينعكس على تأصيل أحكامه الفقهية ، خاصة في عصر التقنين وسعي الدول الإسلامية الحثيث إلى جعل قوانينها مستمدة من التشريع الإسلامي. وإن كان تطبيقه قد شابه بعض الخطأ .
فقد قالت عائشة رضي الله عنها : ( والله إن الرجل ليتصرف بالصدقة العظيمة على ابنته فترى صدقته عليها وترى ابنته الأخرى ، وأنه ليعرف عليها الخصاصة لما أخرجه من صدقته ) . أي : اختصاص بعض الأبناء بالوقف أو الغلة دون الباقيين .
وهكذا تكشف القراءة الاجتماعية والتاريخية للوقف عن تحولات ضارة بالنظام ، تنحرف به عن أهدافه ، وهي ثغرة انتبه إليها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة نشأة نظام الوقف.
 
الوقف في عصر الرسول مع رعصر الصحابة
عرف الوقف من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو الذي شرع تفاصيل أحكامه ، لم يكن الوقف بمعناه الإسلامي معروفا لدى العرب قبل الإسلام ، حيث قال الإمام الشافعي : 
(لم يحبس أهل الجاهلية . فيما علمته دارا ولا أرضا، ولما جاء الإسلام شرع الوقف ووسع دائرته ، فلم يجعله مقصورا على المعابد والمناسك بل وسعه ليشمل كثيرا من أنواع الصدقات والتبرعات التي ترصد لأغراض دينية واجتماعية وعلمية واقتصادية
. فكانت الأوقاف على المساجد وما يتعلق بصيانتها ووظائفها ، وعلى المدارس ودور التعليم والمكتبات والزوايا والعلماء وطلاب العلم ، وعلى الفقراء المحتاجين ، واتسعت أكثر فأكثر فشملت المستشفيات والصيدليات ، ودور الرعاية الاجتماعية ، وتزويج المحتاجين من الفتيان والفتيات ، وإجراء الأنهار وحفر الآبار، وإقامة الأربطة والحصون ، وإيجاد السلاح والعتاد لحماية دار الإسلام والدفاع عن مواطنيها ، وتقديم المال لاقتداء الأسرى وتحرير العبيد. 
وبهذا التوسع كان للوقف فضل كبير وتأثير حميد في بناء الحضارة الإسلامية وإرساء أسسها على التكام.

أول وقف في الإسلام
أول وقف في الإسلام هو مسجد قباء الذي أسسه النبي ع حين قدومه إلى المدينة مهاجرا ، ثم المسجد النبوي الذي بناه من بالمدينة بعد أن استقر به المقام .
وأول وقف خيري عرف في الإسلام هو وقف سبع بساتين بالمدينة ، كانت لرجل يهودي اسمه مخیريق ، أوصى بها إلى النبي ، حين عزم على القتال مع المسلمين في غزوة أحد، قال في وصيته : إن أصبت  - فأموالي محمد - يضعها حيث أراه الله ، فقتل ، وحاز النبي مع تلك البساتين السبعة ، فتصدق بها ، أي : حبسها .
ومضى الصحابة - رضوان الله عليهم جميعا - على ما سنه النبي ، وعملوا بما حث عليه من الإكثار من الصدقة والإتفاق مما يحبون ، وسجلوا أروع الأمثلة في التطوع بأحب أموالهم إليهم . من تلك الأمثلة وقف عمر بن الخطاب، وقيل : هو ثاني وقف في الإسلام، وهو أرض خيبر ، ثم تتابعت الأوقاف بعد ذلك في أوجه البر والخير .
هكذا عرف الوقف بصورتيه اللتين تحددنا فيما بعد في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكانت لهم أوقافهم وبتوجيه منه ، وسار على ذلك صحابة النبي، لم يخالف أحد في سلامة الوقف ومشروعية التصرف ، وكانت هذه الأوقاف تصرف على وجوه الخير والبر التي يحددها الواقف ويديرها الواقف أو من يراه ليقوم برعايتها وإيصال الحقوق إلى أهلها...


التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

منتقى الفوائد

2017 - 2018