منتقى الفوائد منتقى الفوائد
recent

آخر الدروس

recent
random
جاري التحميل ...
random

إجلاء الحقيقة في حديث: افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة - يوسف القرضاوي

إجلاء الحقيقة في حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة



مقتطف من كتاب:
 "تاريخنا المفترى عليه" للشيخ يوسف القرضاوي
 
حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة:
ومما ألوم عليه المتأخرين من المحدثين : تبني حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. ومحاولة تقويته . وإن كان ضعيفا۔ بكثرة الطرق. وهو لا يرقى بذاته إلى درجة الصحة. ولذلك لم يورده كلا الشيخين: البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وهذا الحديث له تأثيره وإيحاؤه في أنفس من يؤرخ للأمة، وينظر إلى كل الفرق، نظرته إلى أقوام من أهل النار الهالكين. وقد ناقشت هذا الحديث في سنده ومتنه في كتابي (الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع، والتفرق المذموم) وكان مما قلت فيه:

أما حديث افتراق الأمة إلى فرق فوق السبعين كلها في النار إلا واحدة، ففيه كلام كثير في ثبوته وفي دلالته.
(أ) فأول ما ينبغي أن يعلم هنا أن الحديث لم يرد في أي من الصحيحين، برغم أهمية موضوعه، دلالة على أنه لم يصح على شرط واحد منهما.
وما يقال من أنهما لم يستوعبا الصحيح، فهذا مسلم، ولكنهما حرصا أن لا يدعا بابا مهما من أبواب العلم إلا ورويا فيه شيئا ولو حديثا واحدا.
(ب) إن بعض روايات الحديث لم تذكر أن الفرق كلها في النار إلا واحدة، وإنما ذكرت الافتراق وعدد الفرق فقط. وهذا هو حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وفيه يقول:

"افترقت اليهود على إحدى . أو اثنتين . وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى . أو اثنتين . وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة "
والحديث . وإن قال فيه الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم . مداره على محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، ومن قرأ ترجمته في تهذيب الكمال" أو في تهذيب التهذيب"، علم أن الرجل متكلم فيه من قبل حفظه، وأن أحدا لم يوثقه بإطلاق، وكل ما ذكروه أنهم رجحوه على من هو أضعف منه. ولهذا لم يزد الحافظ في التقريب على أن قال: صدوق له أوهام. والصدق وحده في هذا المقام لا يكفي ما لم ينضم إليه الضبط، فكيف إذا كان معه أوهام؟؟!
ومعلوم أن الترمذي وابن حبان والحاكم من المتساهلين في التصحيح، وقد وصف الحاكم بأنه واسع الخطو في شرط التصحيح.
وهو هنا صحح الحديث على شرط مسلم، باعتبار أن محمد بن عمرو احتج به مسلم، ورده الذهبي بأنه لم يحتج به منفردا، بل بانضمامه إلى غيره. على أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة ليس فيه زيادة: أن الفرق كلها في النار إلا واحدة" وهي التي تدور حولها المعركة.

وقد روي الحديث بهذه الزيادة من طريق عدد من الصحابة: عبد الله بن عمرو، ومعاوية، وعوف بن مالك وأنس، وكلها ضعيفة الإسناد، وإنما قووها بانضمام بعضها إلى بعض.
والذي أراه أن التقوية بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، فكم من حديث له طرق عدة ضعفوه، كما يبدو ذلك في كتب التخريج، والعلل، وغيرها. وإنما يؤخذ بها فيما لا معارض له، ولا إشكال في معناه.
وهنا إشكال أي إشكال في الحكم بافتراق الأمة أكثر مما افترق اليهود والنصارى من ناحية، وبأن هذه الفرق كلها هالكة وفي النار إلا واحدة منها. وهو يفتح بابا لأن تدعى كل فرقة أنها الناجية، وأن غيرها هو الهالك، وفي هذا ما فيه من تمزيق للأمة وطعن بعضها في بعض، مما يضعفها جميعا، ويقوي عدوها عليها، ويغريه بها. كما ينافي خيرية هذه الأمة, وأنها أمة مفضلة, وأنها أمة مرحومة.
 
ولهذا طعن العلامة ابن الوزير في الحديث عامة، وفي هذه الزيادة خاصة، لما تؤدي إليه من تضليل الأمة بعضها البعض، بل تكفيرها بعضها لبعض.

قال رحمه الله في "العواصم" وهو يتحدث عن فضل هذه الأمة، والحذر من التورط في تكفير أحد منها، قال: وإياك والاغترار بـ "كلها هالكة إلا واحدة" فإنها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة، ولا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة.
قال : وعن ابن حزم: إنها موضوعة، غير موقوفة ولا مرفوعة، وكذلك جميع ما ورد في ذم القدرية والمرجئة والأشعرية، فإنها أحاديث ضعيفة غير قوية.
 
ج- إن من العلماء قديما وحديثا من رَدَّ الحديث من ناحية سنده، ومنهم من رده من ناحية متنه ومعناه.
فهذا أبو محمد بن حزم، يرد على من يكفر الآخرين بسبب الخلاف في الاعتقاديات بأشياء يوردونها.
وذكر من هذه الأشياء التي يحتجون بها في التكفير حديثين يعزونهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هما:
1- (القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة).
2- (تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة، كلها في النار حاشا واحدة، فهي في الجنة).
قال أبو محمد: هذان حدیثان لا يصحان أصلا من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به؟
وهذا الإمام اليمني المجتهد، ناصر السنة، الذي جمع بين المعقول والمنقول، محمد بن إبراهيم الوزير يقول في كتابه "العواصم والقواصم" أثناء سرده للأحاديث التي رواها معاوية رضي الله عنه، فكان منها (الحديث الثامن) : حديث افتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا فرقة واحدة، قال: وفي سنده ناصبي، فلم يصح عنه، وروى الترمذي مثله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: حديث غريب. ذكره في الإيمان من طريق الإفريقي واسمه عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عنه.
وروى ابن ماجه مثله عن عوف بن مالك، وأنس.

قال: وليس فيها شيء على شرط الصحيح، ولذلك لم يخرج الشيخان شيئا منها. وصحح الترمذي منها حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، وليس فيه كلها في النار إلا فرقة واحدة" وعن ابن حزم: أن هذه الزيادة موضوعة، ذكر ذلك صاحب "البدر المنير ".

وذكر الإمام الشوكاني قول ابن كثير في الحديث ثم قال: قلت: أما زيادة كلها في النار إلا واحدة" فقد ضعفها جماعة من المحدثين، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة.
 
على أن الحديث . وإن حسنه بعض العلماء كالحافظ ابن حجر، أو صححه بعضهم کشيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد طرقه . لا يدل على أن هذا الافتراق بهذه الصورة وهذا العدد: أمر مؤبد ودائم إلى أن تقوم الساعة، ويكفى لصدق الحديث أن يوجد هذا في وقت من الأوقات.
فقد توجد بعض هذه الفرق، ثم يغلب الحق باطلها، فتنقرض ولا تعود أبدا.
وهذا ما حدث بالفعل لكثير من الفرق المنحرفة، فقد هلك بعضها، ولم يعد لها وجود.
 
ثم إن الحديث - إن سلمنا بصحته أو حسنه- يدل على أن هذه الفرق كلها جزء من أمته صلى الله عليه وسلم، أعني (أمة الإجابة المنسوبة إليه، بدليل قوله: "تفترق أمتي" ومعنى هذا أنها . برغم بدعتها . لم تخرج عن الملة، ولم تفصل من جسم الأمة المسلمة.
وكونها (في النار) لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين.

وقد يشفع لهم شفيع مطاع من الأنبياء أو الملائكة أو أحاد المؤمنين، وقد يكون لهم من الحسنات الماحية أو المحن والمصائب المكفرة، ما يدرأ عنهم العذاب.
وقد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه، ولا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق، ولكنهم لم يوفقوا وأخطأوا الطريق، وقد "وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وجعل النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمن إذا أخطأ في اجتهاده أجرا واحدا، فضلا من الله ونعمة.
وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن القيم: أن المخطئ في اجتهاده مغفور له، سواء كان اجتهاده في الأصول أم في الفروع، وأن كل من اجتهد في الوصول إلى الحق في المسائل العلمية أو العملية: دائر بين الأجر والأجرين، ولم يرد دليل صحيح يفرق بينهما، ولا حرج على فضل الله تعالى.
(انتهى)

فائدة: ما معنى "إجلاء" في اللغة العربية؟

    إِجْلاَءُ السُّكَّانِ عَنْ دِيارِهِمْ : إِخْرَاجُهُمْ ، طَرْدُهُم
    إجلاء الجيوش : سحبها ،
    إجلاء القواعد العسكريّة : تركها والخروج منها
    إِجْلاَءُ الحقيقة : الكَشْفُ عَنْهَا
 


التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

منتقى الفوائد

2017 - 2018