منتقى الفوائد منتقى الفوائد
recent

آخر الدروس

recent
random
جاري التحميل ...
random

آراء العلماء في المختصرات الفقهية - عبد الله بنطاهر

آراء العلماء في المختصرات الفقهية - عبد الله بنطاهر


https://www.montaqat.com

آراء العلماء في المختصرات الفقهية:

اختلف العلماء في الحكم على المختصرات الفقهية حسب ما يلي:

أولا: منهم المعارضون لها ممن اعتبرها عقيمة وسقيمة؛ لأن آفة العلم المتون، بها سرى داء الاختصار إلى العلوم فقلل من فائدتها، فكان لها -حسب وجهة نظرهم- الأثر السيئ على العلوم الإسلامية فتحجرت ردحا من الزمن(1)، وازدهار التأليف فيها دليل على تحجر الفكر وانحسار الطموح، ولأنها أصبحت عبارة عن ألغاز تحتاج إلى من يفك عبارتها ويحل ألفاظها، فقد استشكلت على الناس؛ بل حتى على المختصرين أنفسهم، فمن فرط تعمقهم في الاختصار لم يعد بعضهم يفهم ما سطر في مختصره كما وقع لابن الجاجب(2)، وبسبب ذلك تولد مشكل آخر وهو كثرة الشروح والحواشي، فضاع بذلك القصد الذي من أجله حدث الاختصار، فعاد السهل مرة أخرى صعبا، والمتجمع مفرقا بين المتن والشرح والحاشية وحاشية الحاشية أحيانا، إضافة إلى ما أحدثه ذلك من ردود الشارح على صاحب المتن، وتعقب صاحب الحاشية لهما أحيانا بالموافقة، وأحيانا بالمخالفة لأحدهما أو كليهما(3).

وممن قال بذلك من العلماء -وهم عل كل حال أقلية- أبو بكر بن العربي(ت543هـ)(4)، وأبو زيد عبد الرحيم اليزناسني(كان حيا 566هـ) الذي استشاره ابن شاس في وضع مختصره "عقد الجواهر" فأشار عليه ألا يفعل، ولكنه لم يعمل بإشارته(5)، وأبو العباس القباب الفاسي (ت 779ﻫ 1377م)، وشيخه محمد بن إبراهيم الآبلي(ت757هـ)، وتلميذه أبو إسحاق الشاطبي(ت790هـ)(6)، وكذا أبو عبد الله المقَّري الكبير(ت756هـ)(7)، وعبد الرحمن بن خلدون(ت808هـ)(8).

ثانيا: لا يخفى ما في هذا الحكم من الإجحاف وعدم الإنصاف؛ لأن المختصرات لا تخلو من فوائد ومميزات، يعددها لها الطرف الآخر من العلماء المؤيدين لها وهم الأكثرية؛ ومنها:

- التيسير؛ وذلك لما صعب على المتأخرين استيعاب المطولات، وشق عليهم حفظها، اختصرها العلماء تيسيرا على المبتدئين، وتسهيلا للحفظ على المتعلمين.

- الجمع لما هو متفرق في كتب المذهب من الفروع لتكون أجمع للمسائل(9).

- الفصل في كثير من المسائل الخلافية؛ بحيث إن هذه المختصرات اكتفت فيها بالمشهور أو الراجح، عكس الكتب الأخرى.

ثالثا: نحن هنا نقف إزاء هذه المختصرات التي نالت أكثر مما تستحق من الهجوم العنيف من طرف بعض الباحثين المعاصرين موقف الوسط؛ ففي الوقت الذي لا ننكر إحسانها إلينا نقول: لو اجتمعت مع غيرها لكان أحسن؛ لأنها بها تعلمنا وحفظنا مذهبنا وحافظنا عليه، وبها نحفظه لغيرنا، ولا يمكن أن ننسى خيرها في دفعنا -ونحن طلبة في المدارس المغربية العتيقة- للدراسات المعمقة في الشروح والحواشي، وما في ذلك من تمرين الأذهان وتدريب العقول لاكتشاف خبايا المجهول؛ كما لا يمكن أن ننسى فضلها علينا اليوم في تحديد ما به الفتوى في كثير من المسائل، لولاها لبقينا عالقين في كل مسألة ذات خلاف ومتعددة الآراء ومتشعبة الأقوال وما أكثرها، ولما كان لنا مذهب ثابت موحد، ولكنا من أمرنا في حيص بيص كما يقع لنا كلما حاولنا الابتعاد عنها اليوم.

أما كونها عبارة عن ألغاز تولد منها مشكل كثرة الشروح والحواشي، فهو أمر عادي لا بأس به؛ لأن هذا هو شأن الدارسات المعمقة، فلمن لا يحسن التسلق للجبال الشاهقة في الشروح، أو يصعب عليه الغوص في بحار الحواشي، أو أعياه هذا وذاك أن يكتفي بما في المختصر المفيد.

وعلى العموم في نظري لا ينكر اليوم خير هذه المختصرات وشروحها وحواشيها في عصرنا هذا إلا أحد الشخصين: من لا يعرفها إلا من خلال أغلفتها، الذي ينظر إلى ورقها الأصفر من بعيد مرتعدا، ومضطرا فقط لترديد ما يقول المعارضون، أو المنهزم العاجز الذي عرفها فصعب عليه أمرها، ولكننا نقول: لو اجتمعت مع غيرها من الكتب الرابطة الفروعَ بالأصول لكانت أجود وأفيد؛ وبالمختصر المفيد أيضا أقول:

(الاكتفاء بالمختصرات تحجر، والاستغناء عنها تهتر، وجمعها مع غيرها تبحر)؛ وعلى كل أن يختار ما يناسبه.

الهوامش:

(1) النبوغ المغرب لكنون: 1/202 و203.
(2) جذوة الاقتباس للمكناسي: 1/297، والفكر السامي للحجوي: 2/400.
(3) تاريخ المذهب المالكي لعمر الجيدي، ص: 132-133.
(4) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى للناصري: 8/67.
(5) جذوة الاقتباس للمكناسي:2/415، نيل الابتهاج للتمبكتي، ص: 266، وسلوة الأنفاس للكتاني:3/379-380، والنبوغ المغربي لكنون: 1/203.
(6) حيث ذكر في كتابه الموافقات (1/68-69) أن كتب المتقدمين أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم الذي هو العروة الوثقى...، وعلومهم في التحقيق أقعد.
(7) انظر: نيل الابتهاج للتمبكتي، ص: 414-415.
(8) ذكر ذلك في مقدمته (ص: 532) ووصفه بكونها مخلاً بالبلاغة وعسيراً على الفهم، كما عقد له في تاريخه (1/532) "الفصل الثامن والعشرون في أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم".
(9) تاريخ المذهب المالكي لعمر الجيدي، ص: 133.
المرجع كتابي: تحقيق شرح قواعد الإسلام لأبي العباس القباب الفاسي من مطبوعات الرابطة المحمدية


التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

منتقى الفوائد

2017 - 2018