منتقى الفوائد منتقى الفوائد
recent

آخر الدروس

recent
random
جاري التحميل ...
random

هل في صحيح البخاري أحاديث ضعيفة ؟

هل في صحيح البخاري أحاديث ضعيفة؟


عبد السلام أجرير الغماري:

هل في صحيح البخاري أحاديث ضعيفة كما يقول الدكتور عدنان إبراهيم؟

سألنا أحد الأصدقاء في الفيسبوك عن ما يقوله عدنان إبراهيم من أن في صحيح البخاري أحاديث ضعيفة؟ وطالما يظهر أن السائل ليس من المتخصصين بالعلوم الشرعية أجبته محاولا التبسيط والاختصار قائلا:

أقول لك كلاما مختصرا وسأحاول تبسيطه لتعلم مشكلة عدنان ومن معه مع البخاري. وأرجو أن تفهمه لأنه سيكون علميا وليس خَطابيا.

عدنان إبراهيم ولجهله الكبير بعلوم الحديث يخلط بين صحة سند الحديث وبين نكارة المتن وشذوذه.

قد تقرر عند العلماء أن صحيح البخاري كل ما فيه صحيح السند إلى من روى عنه الحديث.

والمحدث غايته الكبرى أن يتأكد من اتصال السند للقائل حتى لا يسقط في الكذب الذي هو كبيرة من الكبائر, فإذا اتصل السند بين الرواة بدون انقطاع وكان الرواة ثقات ضابطين وليس هناك شذوذ ولا علة في السند... حكم على الحديث بصحة سنده في الظاهر (أأكد الكلام بأن الحكم يشمل هنا صحة السند ولا يشمل بالضرورة المتن). وهذا هو المقصود بالصحيح في كتابي البخاري ومسلم وفي غيرهما.

أما كون مضمون الحديث صحيحا (بمعنى ينبغي العمل به وأنه واضح ومحكم المعنى...) فهذا لا يتوقف على مطلق صحة السند, بل قد يصح السند ولا نعمل بالحديث, وفي صحيح البخاري ومسلم أحاديث منسوخة كحديث وجوب الوضوء مما مست النار, لا يجوز العمل بها, وإنما رواها العلماء لبيان تاريخ التشريع ولينبهوا الناس على انها منسوخة, ولذلك نجد في الغالب يروون الحديث الناسخ مباشرة بعد الحديث المنسوخ كما في مسألة الوضوء مما مست النار.

فالدكتور عدنان ومن معه ممن لم يدرس العلوم الشرعية على الشيوخ وصبر على سنوات التحصيل وجلس على ركبتيه مصغيا للعلماء... يخلط بين صحة السند وصحة المتن, فيقوّل البخاري ما لم يقل, ويلزمه بما لم يلتزم, فيلزمه بغير شرطه, وإنما كان شرط البخاري الوحيد في جمع الحديث ألا يروي إلا ما صح سنده, أما صحة المتن وإحكامه... فليست على شرطه, (وإن تطوع بها أحيانا في تراجمه, وفقه البخاري في تراجمه كما هو معلوم).

فمعاني الأحاديث لا تتوقف دائما على صحة الاسانيد, بل يُرجع فيها إلى كتب الفقهاء لا إلى كتب المحدثين رأسا.

أما من انتقد بعض أحاديث البخاري قديما مثل الدارقطني وابن القطان... فإنه انتقدها انتقادا علميا وفيه أدب, انتقدها احتكاما إلى شرط البخاري في الرواية, والناس لا يُنتقَدون إلا فيما خالفوا فيه شروطهم. فالحافظ العلامة الدارقطني رأى باجتهاده أن بعض الأحاديث لا تبلغ درجة الصحة كما شرطها البخاري, (وإن كانت في أصلها صحيحة خارج صحيح البخاري بمجموع الطرق). فالدارقطني لم ينتقد معاني الحديث أو اتهم البخاري بالكذب والدس والتدليس... كما يدعي من لا علم له وكما نسمع اليوم, بل هذه التهم غير واردة أصلا عند العلماء, وإنما الوارد هو الاحتكام إلى شروط الصحة وتطبيق ذلك على أحاديث البخاري.

أما المعنى فإن أردت أن تعلم صحته من ضعفه فعليك بشروح صحيح البخاري ك"الفتح الباري" للحافظ ابن حجر, وكتب حل مشكلات الحديث ككتاب "شرح مشكل الآثار" للطحاوي و"تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة, وكتب الفقه عموما.

وعموما فقد تقرر عند العلماء بالتتبع والتمحيص أن ما في البخاري صحيح وفق شروطه, وأن ما علقه البخاري صحيح إلى من علق عنه.

ثم إن جل الأحاديث المنتقدة على البخاري ومسلم لا يُسلّم فيها بالنقد, بل الصواب مع البخاري ومسلم فيها أكثر رغم قوة نظر النقاد.

وعلى كل حال هي أحاديث يسيرة والكلام فيها منصب على السند لا على المتن كما يدعي عدنان إبراهيم.

ولذلك قال الحافظ السيوطي في ألفيته:

وانتقدوا عليهما يسرا * فكم ترى نحوهما نصيرا

ثم لا ننس في هذا الصدد أن البخاري جمع ما صح مما كان منتشرا بين يد العلماء. قبله, فأحاديث البخاري كلها مروية وموجودة عند غيره ممن سبقه كمالك وأحمد وسفيان... فلم يأت البخاري بجديد في الحديث وإنما جديده أنه اشترط على نفسه ألا يروي إلا الصحيح فوضع كتابه الجامع الصحيح المسند.

هذا كله إن قلنا إن متن الحديث فيه نكارة, أما رد المتن والمضمون لأن عقل عدنان إبراهيم لا يقبله أو ليس على ذوقه الرفيع... فهذا له كلام آخر.

فمن فهم هذا علم قيمة وعظمة البخاري رحمه الله وعلم بالمقابل قيمة وصِغر عدنان إبراهيم غفر الله له ورد بنا وبه.


التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

منتقى الفوائد

2017 - 2018