-->
منتقى الفوائد منتقى الفوائد
recent

آخر الدروس

recent
random
جاري التحميل ...
random

هل الأخلاق طبيعية أم مكتسبة؟

 هل الأخلاق طبيعية أم مكتسبة؟


 هذا سؤال اختلف حوله العلماء كثيراً، قديمهم وحديثهم، فلاسفة وغير فلاسفة. والرأي المختار، وهو الذي نص عليه الكتاب الكريم والسنة النبوية هو: أن الأخلاق منها ما هو طبيعي، ومنها ما هو كسبي.
والمراد من الطبيعي أن الإنسان بعد التمييز نجده مفطوراً على أخلاق معينة، فمثلاً نجد بعض الأطفال يتصف بالحياء، أو العفة، أو الشجاعة بدون تدريب أو تعليم، وكذلك نرى بعضهم في صغره يتصف بالجبن، أو البخل، أو الشر، بدون تدريب أو تعليم، أو حتى تقليد للأقربين.
والمراد بالكسبي هو الخلق الذي يربى عليه الإنسان ويدرب بأساليب التربية المختلفة، والتي منها التلقين، والتقليد، والوعظ، والترغيب والترهيب ... الخ.
قال تعالى:
{فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30]. فطري.
وقال تعالى:
{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11]. كسبي.
وجاء في حديث مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للمنذر بن عائذ ويلقب الأشج. (أشج عبد القيس):
"إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". وزاد في مسند أبي يعلى وغيره أنه قال حين قال النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك: يا رسول الله: كانا فيّ أم حدثا؟ قال: "بل قديم" قال:
"الحمد لله الذي جبلني (خلقني) على خُلقين يحبهما"
[شرح مسلم].


وإذا ثبت أن من الأخلاق ما هو مكتسب ومنها ما هو فطري فإن علينا أن ندرك أن الاكتساب يكون بالعلم، والتدريب وأساليب التربية المختلفة كما يكون بالتقليد والمحاكاة للغير من أب وأم وإخوة وأصدقاء، وغيرهم من أفراد المجتمع، كما يكون للمعارف وأنواع العلوم تأثيرها الأخلاقي كذلك طبيعة الأمكنة والأحوال التي تعيشها الأمة، وأنواع المسارح والملاهي، ودور عرض الأفلام، وجميع أجهزة الإعلام لها تأثير واضح على الأخلاق في تكوينها، وتعديلها، وتغييرها.
وهل يمكن التأثير على الأخلاق الفطرية الطبيعية (أي التي نشأت مع الطفل أو نشأ بها الطفل) أو لا يمكن ذلك؟

والجواب: أن الطبيعة إن أريد بها الغريزة فإن التأثير فيها بالتغيير غير ممكن عادة، ولكن الممكن هو التحكم في الغريزة حتى تكون على مستوى وسطي بدون إفراط أو تفريط. وذلك مثل غريزة الحاجة إلى الطعام والماء، وغريزة القتال، وغريزة حب الاستطلاع، وغريزة الجنس وغيرها، وذلك ما يسمى في علم النفس "إعلاء الغرائز" أي التسامي بها لتؤدي ما خلقت له بدون انحراف.
وإن أريد بالطبيعة الميول والرغبات فإن هذه يمكن التأثير فيها بالتعديل وبالتغيير ويشهد لذلك ويثبته ما جاء في الحديث
"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه".
وهذا هو المراد من كلمة "طبيعي أو فطري": أي الميول والرغبات التي ولد بها الإنسان.

بين العقيدة والأخلاق

خطر يجب تداركه
إذا كانت الأخلاق كسبية في أكثرها، وما هو طبيعي منها يكون صالحاً للتغيير والتعديل، فمعنى ذلك أن البحث في المؤثرات التي يتأثر بها الإنسان حتى تتكون فيه ملكات أخلاقية معينة يعتبر أمراً لازماً وهاماً.
وإذا عرفنا أن المؤثرات المحبوبة إلى النفوس العادية وهي في نفس الوقت تصل إلى الجميع بسهولة وبدون كلفة، كما أنها تكوِّن مناخاً عاماً يعيش فيه الأفراد، سواء قصدوه أم لم يقصدوه، إذا عرفنا ذلك ازداد الأمر أهمية وخطورة، فإن الناس في عصرنا هذا سواء منهم الكبار والصغار، والبنون والبنات قد فتحت عليهم جميع أبواب الآداب والفنون، ما هو صالح منها وما هو فاسد، كما فتحت عليهم جميع أجهزة الإعلام، الشرقية والغربية، المتحفظة والإباحية، الإيمانية والكفرية، ما يدعو منها إلى الفضيلة وما يدغدغ الغرائز، ويلهب المشاعر ويؤجج فيها الثورة على كل ما هو دين وفضيلة وسمو، وعلينا أن ندرك أن الأسرة مناخ خاص، وأن المدرسة مناخ خاص، وكذلك الجامعة، والمسجد، والمكتب والشركة. وأن هذا كله متفاعل مع المناخ العام الذي هو البلد. والمجتمع. والأمة. والدولة والمنطقة. والعالم، وأن كلاً منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، والأقوى تأثيراً له الغلبة والكلمة الأخيرة في أخلاق الناس. وقد دخلت الإذاعة كل بيت، واقتحم التلفاز كل منزل، وأصبح الشبان والشواب، والناشئون والناشئات بين شقي رحى، فهذه أسرة تأمر بالدين وتحرص عليه، وتلقن البنين والبنات كل ما هو خير وفضيلة، ولكن أجهزة الإعلام ليست كلها مع الدين، أو الفضيلة، أو الخلق، ويستطيع أي إنسان أن يدير مفتاح المذياع ليسمع العهر والفجور والدعوة الصريحة إلى الفحش من بلاد كثيرة في العالم، ويستطيع أن يشتري من المجلات والكتب ما هو بؤرة فساد ودعارة، وما هو حرب على الدين والفضيلة وكل خلق كريم. زد على ذلك الشوارع العامة والمسارح، ودور العرض "السيمائي" وغيرها مما ملأ الجو العام فساداً، وكل من عاش مع الناس أدرك الحيرة والاضطراب، وأدرك الظلام والضباب والفتنة التي يعيش فيها الجميع. والواقع أن المناخ العام أفسد كل ما أصلحه المناخ الخاص، وكل جهود المصلحين اليوم تعتبر ضائعة، والنادر لا حكم له.


لذلك يجب على الباحثين والمصلحين، والغيورين على الدين، وعلى الأخلاق، وعلى الشبان والشواب أن يطوروا كثيراً من المناهج الفكرية، والعلمية، والتربوية. وأن يبحثوا بحثاً جدياً من أجل إنقاذ أجيال أضاعوها أو كادوا بسبب الجمود، والروتينية البغيضة، والفهم الضيق للدين والحياة، والمؤثرات الخطيرة على الاثنين معاً.
لقد قام مصلحون كثيرون. ونادوا، وبحت أصواتهم. ولا يزالون يفعلون، فمتى تستجيب أمتنا المسلمة، ومتى تدرك الخطر، ومتى تصدق مع نفسها ومع الله، ومع شبابها. حتى تنقذ الغرقى، والحرقى، ومن أصيبوا بطاعون الانهيار الخلقي، ومن انهالت عليهم جميع الأتربة والرمال التي حملتها رياح الكفر والفسوق والفجور والضياع والضلال؟؟؟.

الإسلام ومكارم الأخلاق
... مما سبق عرفنا أن الأخلاق منها ما هو حسن، ومنها ما هو قبيح والميزان في ذلك هو الشرع، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع. أما العقل فهو تابع للشرع في ذلك. وهذا هو رأي أهل السنة والجماعة وهو الحق الذي لا يقبل غيره.


وللأخلاق الحسنة في الإسلام مكانة عالية، ودرجة رفيعة، وأهمية كبيرة حتى جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم والبيهقي قوله صلى الله عليه وسلم:
"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
والحصر بـ "إنما" يفيد أن معنى الحديث: ما بعثت إلا لأتمم مكارم الأخلاق. وقد أثنى الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق فقال له:
{وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 04].
واقرأ هذه الآية التي جمعت مكارم الأخلاق بشهادة الكفار أنفسهم:
{إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90].
واقرأ الوصايا العشر في آخر سورة "الأنعام" ابتداء من قوله تعالى:
{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم .... } إلى {تتقون} [الآيات من 151 - 153].

واقرأ الوصايا الخمس عشرة من سورة "الإسراء" ابتداء من الآية (22 إلى آخر 39) وغيرها وغيرها، فإنك لن تجد أمراً من أوامر الله ولا نهياً من نواهيه إلا وهو خلق يطلب منك أن تتصف به لحسنه، أو يطلب منك الابتعاد عنه والتطهر منه لقبحه، حتى العبادات والعقائد التي هي الأصول في التكوين والتشريع، إنها في نفس الوقت أصول في الأخلاق الكريمة التي يجب أن يتحلى بها الإنسان فيما بينه وبين الله أولاً، ثم فيما بينه وبين الناس ثانياً.


والمتتبع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سواء في الحض على مكارم الأخلاق أو في تفضيل وتبيين هذه الأخلاق وشمولها لجميع الجوانب والعلاقات الإنسانية يجد ما يبهر العقول، ويعجز الفكر البشري عن استيعابه واستيعاب أسراره وآثاره، ولذلك حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على حض أمته على حسن الخلق وإظهار ثوابه وجزائه في الدنيا والآخرة. من ذلك ما روي:
 

عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال:
"البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك (أي أثر فيه) وكرهت أن يطلع عليه الناس" [ رواه مسلم والترمذي.].
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسنٍ، وإن الله يبغض الفاحش البذيء". [رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.]
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"[رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم:
"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لأهله" [رواه أبو داود والترمذي واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح.].
وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن أحبكم إليّ وأقربكم مني في الآخرة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم منّي في الآخرة أسوأكم أخلاقاً الثرثارون المتفيهقون المتشدقون"[رواه أحمد، ورواته رواة الصحيح.].
الثرثارون: هم كثيرو الكلام تكلفاً.
المتفيهقون: هم الذين يتوسعون في الكلام إظهاراً للفصاحة واستعلاء على غيرهم.
المتشدقون: هم المتكلمون بملء أشداقهم تفاصحاً وتعظيماً لكلامهم.

المصدر: تبسيط العقائد الإسلامية، لمحمد حسن أيوب




التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

منتقى الفوائد

2017 - 2018